أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
39
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
اللّه ما لا يكون لو كان كيف كان يكون ، وأنهم لو ردوا لم يؤمنوا ولكذّبوا بآيات اللّه ، فأكذبهم اللّه في دعواهم . وأما نصبهما فبإضمار « أن » بعد الواو التي بمعنى « مع » كقولك : ليت لي مالا وأنفق منه فالفعل منصوب بإضمار « أن » ، و « أن » مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدر ، والواو حرف عطف فتستدعي معطوفا عليه وليس قبلها في الآية إلا فعل ، فكيف يعطف اسم على فعل ؟ فلا جرم أنا نقدر مصدرا متوهما يعطف هذا المصدر المنسبك من « أن » وما بعدها عليه ، والتقدير : يا ليتنا لنا ردّ ، وانتفاء تكذيب بآيات ربّنا ، وكون من المؤمنين ، أي : ليتنا لنا ردّ ، مع هذين الشيئين ، فيكون عدم التكذيب والكون من المؤمنين متمنين أيضا ، فهذه الثلاثة الأشياء ، أعني : الردّ ، وعدم التكذيب ، والكون من المؤمنين متمناه بقيد الاجتماع ، لا أن كلّ واحد متمنى وحده ، لأنه كما قدمت لك : هذه الواو شرط إضمار « أن » بعدها أن تصلح مع في مكانها ، فالنصب يعين أحد محتملاتها في قولك : لا تأكل السّمك وتشرب اللبن وشبهه . والإشكال المتقدم ، وهو إدخال التكذيب على التمني وارد هنا ، وقد تقدم جواب ذلك ، إلّا أن بعضه يتعذر ههنا ، وهو كون « لا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ » مستأنفين سيقا لمجرد الإخبار ، فبقي إمّا لكون التمني دخله معنى الوعد ، وإمّا أن قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ « 1 » ليس راجعا إلى تمنيهم ، وإمّا لأن التمني يدخله التكذيب ، وقد تقدم فساده . وقال ابن الأنباري : « أكذبهم في معنى التمني ، لأن تمنيهم راجع إلى معنى : نحن لا نكذّب إذا رددنا ، فغلب عزّ وجلّ تأويل الكلام فأكذبهم ، ولم يستعمل لفظ التمني » . وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدم معناه بأوضح من هذا . قال الشيخ « 2 » : « وكثيرا ما يوجد في كتب النحو : أن هذه الواو المنصوب بعدها هو على جواب التمني ، كما قال الزمخشري : « 3 » وقرىء « ولا نكذّب ونكون » بالنصب ، بإضمار « أن » على جواب التمني ، ومعناه : إن رددنا لم نكذّب ونكن من المؤمنين » . قال : وليس « 4 » كما ذكره فإنّ نصب الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب ، لأن الواو لا تقع جواب الشرط ، فلا ينعقد مما قبلها ولا مما بعدها شرط وجواب ، وإنما هي واو مع تعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها ، وهي واو العطف ، يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة ، وهي المعية ويميزها من الفاء تقدير « مع » موضعها ، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميّزها تقدير شرط قبلها ، أو حال مكانها . وشبهة من قال : إنّها جواب ، أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء ، فيوهم أنها جواب . وقال سيبويه « 5 » والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء ، والواو والفاء معناهما مختلفان ، ألا ترى : 1903 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله * . . . « 6 » لو دخلت الفاء هنا لأفسدت المعنى ، أراد : لا تجمع بين النهي والإتيان . وتقول : لا تأكل السمك ، وتشرب اللبن لو أدخلت الفاء فسد المعنى » . قال الشيخ « 7 » : ويوضح لك أنها ليست بجواب انفراد الفاء دونها ، بأنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما تضمنه من معنى الشرط ، إلّا في النفي ، فإنّ ذلك لا يجوز . « قلت : قد سبق الزمخشريّ إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزجاج شيخ الجماعة ، قال أبو إسحاق : نصب على الجواب بالواو في التمني ، كما تقول : « ليتك تصير إلينا ونكرمك » ، المعنى : ليت مصيرك يقع ، وإكرامنا ، ويكون المعنى : ليت ردّنا وقع وألّا نكذب » . وأما كون الواو ليست بمعنى الفاء فصحيح ، على ذلك جمهور النحاة ، إلّا أني رأيت أبا بكر بن
--> ( 1 ) الآية ( 28 ) من السورة نفسها . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 101 ) . ( 3 ) تقدمت . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 101 - 102 ) . ( 5 ) الكتاب ( 3 / 41 - 42 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) انظر البحر ( 4 / 102 ) .